أحمد القرشي ادريس يكتب

الخماسية والفراغ السوداني: حين يتقدم العالم لأننا تأخرنا

ينبغي أن نتعامل مع تحركات الخماسية الدولية، ومخرجات برلين وأديس أبابا، ولقاء المبعوث الأممي بيكا هافيستو برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بوصفها مجرد ضغوط خارجية على السودان.

القراءة الأعمق تقول إن العالم يتحرك لأن فراغاً سودانياً واسعاً ترك المكان مفتوحاً لتصورات الآخرين.لقد تسلّم البرهان، وفق ما رشح من المشاورات، خلاصات وتوصيات مسار دولي وإقليمي يتجمع حول مطالب واضحة: وقف الحرب، حماية المدنيين، فتح المسار الإنساني، إطلاق حوار سوداني شامل، والذهاب نحو انتقال مدني مستقل.

وحتى الآن لم يصدر رد سياسي سوداني متكامل من الحكومة أو من رئيس مجلس السيادة يشرح كيف ترى الخرطوم هذا المسار، وما تقبل به، وما تتحفظ عليه، وما البديل الوطني الذي تطرحه.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا يحدث هذا؟الإجابة ليست في الخارج وحده. إنها وراءنا وأمامنا وفوقنا ومن تحتنا. نحن نتأخر دائماً عن نداء المراحل الحاسمة وثواني التغيير. نترك اللحظة تمر، ثم نغضب من نتائجها.

نترك الفراغ يتمدد، ثم نحتج عندما يملؤه الآخرون.

والفراغ في السياسة لا يبقى فارغاً؛ إنه يمتلئ حتماً، لكن السؤال: هل يمتلئ بالحياة التي يريدها شعب السودان، أم بالحياة التي يصممها الآخرون نيابة عنه؟الخماسية والفراغ السودانياليوم تتجمع قوى دولية ومؤسسية من مختلف القارات حول ملف السودان: الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، إيغاد، الجامعة العربية، الولايات المتحدة، ودول أوروبية فاعلة.

كما أن تحرك لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بشأن مشروع قانون السودان ليس تفصيلاً عابراً، بل خطوة في ترسيخ هذا الاتجاه داخل مؤسسات الدولة الأمريكية نفسها.

السلام لا يأتي إلى المترددين المستكبرينوهنا يجب أن نتذكر درساً قاسياً من تاريخنا القريب.

لقد نازعنا الولايات المتحدة طويلاً، وهاجمنا كل خطوة اتخذتها بشأن السودان وديمقراطيته وسلامه، ثم عاد نظام البشير بعد فوات الأوان يستجدي الأرض كلها لرفع العقوبات وإعادة العلاقات كي يستقيم بعض أمر الاقتصاد والتقنية والحياة. فهل نكرر الخطأ ذاته اليوم، فنرفض العالم أولاً، ثم نذهب إليه لاحقاً من موقع الضعف؟ما الذي يريده العالم من السودان؟الحصافة ليست في العداء الأعمى، ولا في التسليم الأعمى.

الحكمة هي أن نتعامل مع الجهود الدولية بإيجابية وعلو همة ودبلوماسية ذكية: نرحب بها، نبجل مقصدها في وقف الحرب وحماية المدنيين، نفكك ألغامها، نصحح فرضياتها، ونمنع مزالقها، لكننا لا نتركها وحدها ترسم مستقبل السودان.

والخطر أن يتركز بصرنا فقط على أبناء جلدتنا الذين حضروا هذه المشاورات، فنكور الغضب عليهم، ونراهم أعداء يجب استئصالهم، فتضيع القيم التي اجتمع من أجلها أغلب الناس: السلام، الحرية، العدالة، ووحدة البلاد. وجود الخصوم وسط منصة دولية لا يعني أن نكره المنصة كلها، بل يعني أن نذهب نحن أيضاً بمشروع أكثر نضجاً وأقوى حجة وأعمق اتصالاً بوجدان الشعب.ماذا يريد المجتمع الدولي منا؟ في جوهره يريد أموراً مشروعة: وقف الحرب، حماية المدنيين، انتقالاً مدنياً، حكومة مسؤولة، احترام حقوق الإنسان، ومحاسبة من يرتكب الجرائم أو يعرقل الإغاثة.

لكن هذه المطالب، رغم مشروعيتها، قد تصبح مستحيلة التحقيق إذا طُبقت بأدوات لا تفهم واقع السودان: حربه المدمرة، بنيته السياسية الممزقة، هشاشة قواه المدنية، تعقيدات الجيش، وأثر الميليشيات والسلاح والانهيار الاجتماعي.البرهان والموعد مع التاريخولهذا فإن البديل الوطني لا يكون برفض الخماسية، بل بتقديم طريق سوداني أكثر واقعية.

وهذا الطريق، في تقديري، يمر عبر أن يتحمل الفريق أول عبد الفتاح البرهان مسؤوليته التاريخية بقيادة انتقال صعب وشجاع نحو تحول ديمقراطي فيدرالي تعددي.

انتقال لا يحكم باسم الجيش، بل يحمي الدولة بالجيش، ويفك ارتباط المؤسسة العسكرية بالسياسة، ويعيد السلطة تدريجياً إلى الشعب عبر مؤسسات وقانون وانتخابات.هذا هو الطريق الذي يحقق في النهاية ما يطلبه المجتمع الدولي، لكن بأدوات سودانية لا ببهارات مستوردة.

دولة فيدرالية، مؤسسات قانونية وحقوقية، خدمات تؤسس وفق خطة صارمة، تعليم حديث قائم على الذكاء الاصطناعي والمعرفة، مكافحة فساد بمؤسسات لا بشعارات، وبيئة سياسية تحتضن آمال الشباب على قواعد الاختيار والتميز وحماية القانون.

نداء السودان الذي لا يُسمعإن الأمانة التاريخية اليوم لا تقتضي الصراخ في وجه العالم، ولا الارتماء في حضنه.

تقتضي أن نقول له: نعم، نحن نشارككم مقصد السلام والانتقال المدني، لكننا نملك رؤية سودانية لطريق الوصول إليه. رؤية تبدأ بالاستقراروتمضي إلى بناء الدولة، وتنتهي بانتخابات حرة يختار فيها الشعب من يحكمه.فالسودان لا تنقصه المبادرات، بل تنقصه اللحظة التي يسبق فيها أبناءه الآخرين إلى مستقبلهم. وإذا لم يفعلوا، فإن العالم لن ينتظرهم طويلاً.

Previous post

«عشانك يا وطن».. مستشفى الولادة أم درمان يدشن حزمة مجانية متكاملة لطوارئ النساء والتوليد…… !!!مبادرة إنسانية لتعزيز صحة الأم والطفل واستعادة الدور الريادي لأعرق مؤسسة متخصصة في التوليد بالسودان…!!

Next post

قبل المغيب.. عبدالملك النعيم أحمد.. …………………… المعتقلين.. الأسري والمفقودين…صمت داخلي وخارجي..الي متي؟؟ 9 يونيو 2026م

إرسال التعليق

You May Have Missed

error: Content is protected !!