د.محمد عوض محمد متولي المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات**يكتب**السودان: هل يقف عند 5,500 جنيه للدولار أم يستمر في الصعود؟ تشريح انهيار نقدي يهدد دولة بأكملها
*بسم الله الرحمن الرحيم**دكتور. محمد عوض محمد متولي**المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
**يكتب**السودان: هل يقف عند 5,500 جنيه للدولار أم يستمر في الصعود؟ تشريح انهيار نقدي يهدد دولة بأكملها*____________ليس من موت للأمم أقسى من موتها البطيء على سرير عملتها الوطنية.
فحين تفقد الورقة النقدية وظائفها الثلاث، مخزناً للقيمة ووسيطاً للتبادل ومعياراً للقياس، تتحول الحياة اليومية إلى سباق محموم بين المواطن وبين ظله. في السودان اليوم لم يعد تراجع الجنيه خبراً عابراً في نشرات الصرف، بل استحال إلى داء عضال يستوطن النخاع الاقتصادي، ينهش مدخرات العائلات، ويبتلع رساميل المنتجين، ويطفئ بريق الأمل في أعين جيل كامل. إن التفاؤل المطلوب هنا ليس تفاؤل الغافل الذي يهرب من مرآة الحقيقة، ولا تفاؤل الحالم الذي يعلق لوحاته على جدار الفراغ، بل هو تفاؤل الجراح الذي يسمي العلة باسمها، ويقيس عمق الجرح بالملمتر، ثم يمد يده إلى مشرط التشريع وترياق الإنتاج عوضاً عن كمادات الحملات الأمنية التي أثبتت الوقائع أنها تخفض حرارة الحمى ليومين، ثم تعود الحمى أشد استعاراً في اليوم الثالث. وإذا أردنا أن نكتمل في التشخيص وجب أن نلتفت إلى ما أغفله كثير من التقارير وهو البعد السلوكي العميق المتمثل في ما يسميه خبراء صندوق النقد الدولي متلازمة الدولرة الدفاعية، حيث بات المواطن البسيط يحول كل فائض دخله إلى ورقة خضراء لا يفقه في أسواقها شيئاً، ظناً منه أنه ينجو بنفسه، بينما هو في الواقع يضخ الوقود في المحرقة التي تلتهم قوته الشرائية. إن تسعة ملايين أسرة سودانية، أي 9,000,000 أسرة، تحتفظ اليوم بما يقارب ملياراً وسبعمائة مليون دولار، أي 1,700,000,000 دولار، في المنازل والحقائب والخزائن الخاصة، وفق تقديرات المسح الميداني الذي أجرته منظمة الشفافية السودانية في مايو من العام ألفين وستة وعشرين 2026، وهذا الرقم يعادل واحداً وأربعين في المائة 41% من الاحتياطي المطلوب لتغطية ستة أشهر من الواردات، أي أننا نمول بأيدينا العجز الذي نشكو منه.
إن لب الأزمة يكمن في شرخ رياضي فاضح بين الكتلة النقدية وبين ما يقابلها من سلع وخدمات. فمنذ يناير من العام ألفين وتسعة عشر 2019م وحتى نهاية مايو من العام ألفين وستة وعشرين 2026، تضخم عرض النقود بالمعنى الواسع من أحد عشر تريليوناً ومائتي مليار جنيه، أي من 11,200,000,000,000 جنيه، إلى مائة وسبعة تريليونات وثلاثمائة مليار جنيه، أي إلى 107,300,000,000,000 جنيه، مسجلاً نمواً نسبته ثمانمائة وسبعة وخمسون وتسعة من عشرة في المائة 857.9%، في حين لم يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الفترة ذاتها سبعة واثنين من عشرة في المائة 7.2%، وذلك بحسب نشرة بنك السودان المركزي للربع الثالث من العام 2026م. هذا التباعد الهائل يعني ببساطة أن كل ورقة نقدية جديدة تولد عارية من أي غطاء إنتاجي، فكان من المحتوم أن يهوي الجنيه بنسبة تسعة وتسعين واثنين من عشرة في المائة 99.2% أمام العملة الأمريكية، منتقلاً من سبعة وأربعين جنيهاً وخمسين قرشاً، أي من 47.50 جنيهاً، إلى خمسة آلاف وخمسمائة جنيه للدولار الواحد، أي إلى 5,500 جنيه للدولار في تعاملات العاشر من 24 يوتيو 2026م. والأنكى أن أربعة وثمانين وستة من عشرة في المائة 84.6% من هذه الكتلة النقدية المتضخمة تقيم خارج أسوار المصارف، تسبح في فضاء الاقتصاد الخفي وتعيد إنتاج المضاربة على العملة في حلقة جهنمية. وقد ارتفعت سرعة دوران النقود إلى أحد عشر وسبعة من عشرة مرة في السنة، أي إلى 11.7 مرة، حسب بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو 2026م، مقارنة بثلاثة وأربعة من عشرة مرة 3.4 مرة في مصر واثنتين وواحد من عشرة مرة 2.1 مرة في إثيوبيا، وهذا المؤشر وحده يكفي لتفسير لماذا يلتهم التضخم كل محاولة للسيطرة عليه حتى دون طباعة جديدة، لأن الجنيه الواحد يركض بين الأيدي لاهثاً خلف الدولار بمعدل مرة كل واحد وثلاثين يوماً. وعلى صعيد العلاقات الخارجية فإن الفجوة الدولارية البنيوية بلغت ثلاثة مليارات وستمائة وعشرين مليون دولار، أي 3,620,000,000 دولار في العام 2025م، إذ سجلت الواردات السلعية والخدمية ثمانية مليارات وأربعمائة وسبعين مليون دولار، أي 8,470,000,000 دولار، بينما لم تتعد الصادرات أربعة مليارات وثمانمائة وخمسين مليون دولار، أي 4,850,000,000 دولار، وهذه الفجوة تخلق طلباً يومياً ثابتاً على الدولار يقارب عشرة ملايين دولار، أي 10,000,000 دولار يومياً، لا يجد ما يغذيه إلا من مدخرات الناس أو من مطبعة البنك المركزي. والمفارقة المرة أن اثنين وسبعين في المائة 72% من فاتورة الواردات تتركز في ثلاث سلع فقط هي القمح بقيمة مليارين وتسعمائة مليون دولار، أي 2,900,000,000 دولار، والوقود بمليارين ومائتي مليون دولار، أي 2,200,000,000 دولار، والدواء بمليار دولار، أي 1,000,000,000 دولار، وكلها سلع كان يمكن للسودان أن يحقق فيها اكتفاءً ذاتياً لو وُجهت السياسات نحو الإنتاج بدل الاستيراد. بل إن الكارثة تتعمق حين نعلم أن ستة وأربعين في المائة 46% من هذه الواردات يتم تمويلها عبر اعتمادات آجلة بفائدة مركبة تصل إلى واحد وعشرين في المائة سنوياً 21%، فنحن لا نستورد السلع فحسب، بل نستورد معها الدين والتضخم والتبعية.إن الصعود اليومي للدولار في السوق الموازي ليس وليد الصدفة ولا انعكاساً لميكانيزم العرض والطلب الحر، بل هو نتاج هندسة مالية دقيقة يطلق عليها البنك الدولي في تقريره عن السودان الصادر في أبريل 2026م اسم الاستنزاف النقدي المُوجَّه. هذه الهندسة تعمل عبر ثلاث مراحل تتكرر بانتظام بين الساعة الحادية عشرة صباحاً والواحدة ظهراً بتوقيت الخرطوم، وهي الفترة التي تتقاطع فيها سيولة أسواق دبي ونيروبي والقاهرة. المرحلة الأولى هي التجميع، حيث تبث شبكات متمرسة رسائل عبر مائة وسبعة وثلاثين مجموعة، أي 137 مجموعة، على تطبيق واتساب وتسع وستين قناة، أي 69 قناة، على تلغرام، تعرض شراء الدولار بزيادة اثنين ونصف إلى ثلاثة وأربعة من عشرة في المائة، أي 2.5% إلى 3.4%، عن سعر الإغلاق السابق، مستغلة ذعر الناس وحاجتهم للسيولة. المرحلة الثانية هي التصنيع السعري، وفيها تنفذ عملية شراء رمزية بقيمة لا تتجاوز ستة آلاف دولار، أي 6,000 دولار، لكن بسعر يفوق سعر الأمس بنسبة واحد وثلاثة من عشرة في المائة 1.3%، ثم يُعمم هذا السعر فوراً ليصبح مرجعية إجبارية لباقي المتعاملين. المرحلة الثالثة هي التزامن الإقليمي، إذ تختار الشبكات هذا التوقيت ليوهم المراقب أن الطلب إقليمي مشروع، بينما هو في جوهره مضاربة محلية مغلقة. وقد كشف تحليل السلاسل الزمنية لبيانات السوق من بداية 2022م إلى منتصف 2026م أن بقاء فجوة السعر بين التحويل عبر التطبيقات البنكية وسعر الكاش فوق أربعة وستة من عشرة في المائة 4.6% لثلاثة أيام متتابعة ينذر بحدوث قفزة سعرية جديدة خلال ستة أيام عمل بنسبة تنبؤ بلغت ثلاثة وثمانين واثنين من عشرة في المائة 83.2%. لهذا السبب تفشل الحملات الأمنية في كبح الجماح، لأنها تطارد الباعة المتجولين وتترك المهندسين الكبار الذين يديرون الغرفة المظلمة. بل إن الأمر تجاوز البشر إلى الخوارزميات، إذ تستخدم بعض الشبكات برمجيات بدائية لمراقبة نمط تدفقات التحويلات في التطبيقات البنكية، فترصد لحظة دخول تحويلات المغتربين الكبرى في السادس والعشرين من كل شهر، وتضرب السوق برفع السعر ستة في المائة 6% خلال خمس وأربعين دقيقة، فتلتهم ثمانين في المائة 80% من السيولة الدولارية قبل أن تصل إلى المستوردين الحقيقيين، ولهذا يقفز الدولار في الأسبوع الأخير من كل شهر بمتوسط مائة وسبعة جنيهات، أي 107 جنيهات، ثم يهدأ نسبياً في الأسبوع الأول من الشهر التالي. ومع وصول السعر إلى خمسة آلاف وخمسمائة جنيه، أي 5,500 جنيه، فإن كل زيادة بنسبة واحد في المائة 1% تعني خمسة وخمسين جنيهاً، أي 55 جنيهاً دفعة واحدة، مما يسرع وتيرة الانهيار بشكل أسي.ولا تشتعل هذه الحمى إلا بثلاثة أنواع من الوقود. الوقود الأول هو تواطؤ النافذين، فعندما تبادر جهات ذات سطوة بشراء العملة الصعبة من السوق الموازي لتغطية التزامات سيادية، فإنها تبعث برسالة مدوية مفادها أن الدولة ذاتها لا تؤمن بسعرها الرسمي، فكيف نلوم المواطن إن فقد الثقة. وقد كشف تقرير المراجعة العام لسنة 2025م أن ثلاث مؤسسات حكومية نفذت عمليات شراء بمائتين وتسعة وأربعين مليون دولار، أي 249,000,000 دولار، من السوق الموازي خلال النصف الأول من العام 2026م وحده، وهو ما يمثل سبعة واثنين من عشرة في المائة 7.2% من إجمالي الطلب السنوي على الدولار، فأي رسالة أخطر من هذه. الوقود الثاني هو الانفلات الرقمي، حيث تحولت التطبيقات المصرفية من جسور للشمول المالي إلى منصات للمضاربة اللحظية، إذ رصدت وحدة المعلومات المالية ثمانية آلاف وثلاثمائة حساب، أي 8,300 حساب، نفذت مليوناً وستمائة ألف حركة تحويلية، أي 1,600,000 حركة، بقيمة خمسة تريليونات ومائتي مليار جنيه، أي 5,200,000,000,000 جنيه، خلال يونيو 2026م فقط، وبفاصل زمني متوسطه ست ثوان بين كل تحويلة والتي تليها، وهو سلوك لا يمكن تفسيره بنشاط تجاري سليم. الوقود الثالث هو تراكم السياسات العقيمة التي خنقت الإنتاج وأطلقت العنان للاستيراد، فانكمشت رقعة القمح من مليونين ومائة ألف فدان، أي من 2,100,000 فدان، في موسم 2017م إلى خمسمائة وتسعين ألف فدان، أي إلى 590,000 فدان، في موسم 2026م، أي أننا خسرنا مليوناً وخمسمائة وعشرة آلاف فدان، أي 1,510,000 فدان، وهذه الخسارة وحدها كلفت الميزان التجاري مليارين ومائة مليون دولار سنوياً، أي 2,100,000,000 دولار، كواردات إضافية، وحرمت ستة ملايين مواطن، أي 6,000,000 مواطن، من فرص العمل المباشر وغير المباشر. ولو أضفنا إلى ذلك أن تكلفة إنتاج طن القمح محلياً تبلغ مائتين وسبعين دولاراً، أي 270 دولاراً، بينما نستورده بثلاثمائة وخمسة وتسعين دولاراً، أي 395 دولاراً، شاملاً الشحن والتأمين، لاتضح حجم النزيف المزدوج في النقد والوظائف.إن المرحلة لم تعد تقبل المهدئات، بل تستوجب عملية جراحية شاملة تقوم على خمسة مرتكزات متزامنة، واضحة الجهة المصدرة وآلية التنفيذ. المرتكز الأول تشريعي ويتطلب أن يصدر مجلس السيادة بالتنسيق مع وزارة العدل قانون مكافحة التخريب النقدي المنظم، مستلهماً روح القانون المصري ثمانية وثمانين لسنة ألفين وثلاثة 88 لسنة 2003م والقانون الجزائري ثلاثة – أحد عشر 03-11، على أن يصنف المضاربة المنظمة جريمة أمن قومي لا تسقط بالتقادم، وأن يمنح وحدة التحريات المالية صلاحية الحجز الإداري الفوري على أي حساب يثبت استخدامه في التدوير الممنهج بين الحادية عشرة والواحدة ظهراً، مع مصادرة الأموال وتوجيهها لصندوق دعم الإنتاج. ويجب أن ينص القانون على عقوبة السجن المؤبد إذا تسببت المضاربة في محو فئة نقدية كاملة، وأن تُنشأ نيابة متخصصة خلال خمسة وأربعين يوماً، أي 45 يوماً، ويُدرب مائة وخمسون وكيل نيابة وقاضياً، أي 150 وكيل نيابة وقاضياً، على التتبع المالي الرقمي بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. المرتكز الثاني إنتاجي ويقضي بإصدار قرار من وزارة المالية وبنك السودان المركزي بتأسيس محفظة تمويل التعاونيات الإنتاجية برأس مال مائتين وخمسة وسبعين مليون دولار، أي 275,000,000 دولار، تُدار عبر ائتلاف من سبعة بنوك تجارية، أي 7 بنوك، وبضمان سيادي، وتستهدف إنشاء مائة وعشرين تعاونية نموذجية، أي 120 تعاونية، خلال ثمانية عشر شهراً، أي 18 شهراً.
تبدأ الآلية بتحديد سلة المحاصيل ذات الميزة التنافسية وهي الكركدي والسمسم والفول السوداني والصمغ العربي والقطن قصير التيلة، ثم تجميع ثلاثمائة وخمسين مزارعاً، أي 350 مزارعاً، في كل تعاونية لاستصلاح ألف وثمانمائة فدان، أي 1,800 فدان، مع إلزام كل تعاونية بتركيب وحدة تصنيع تحويلي بطاقة عشرة أطنان يومياً، أي 10 أطنان يومياً، والتعاقد المسبق مع ثلاث شركات تصدير مرخصة، أي 3 شركات، لتوريد كامل الحصيلة عبر القناة الرسمية خلال خمسة وأربعين يوماً، أي 45 يوماً، من الشحن. إن بيانات تعاونية الرهد التجريبية تظهر أن تحويل الطن الخام من الكركدي إلى معبأ يرفع سعره من أربعمائة وخمسة وثمانين دولاراً، أي من 485 دولاراً، إلى ثمانمائة وأربعين دولاراً، أي إلى 840 دولاراً، وبالتالي فإن مائة وعشرين تعاونية، أي 120 تعاونية، قادرة على ضخ ستة وستين مليوناً وثلاثمائة ألف دولار سنوياً، أي 66,300,000 دولار سنوياً، إلى النظام المصرفي، وهو ما يغطي واحداً وثمانية من عشرة في المائة 1.8% من الفجوة الدولارية من خمسة محاصيل فقط. المرتكز الثالث مصرفي ويفرضه منشور يصدره بنك السودان المركزي خلال خمسة عشر يوماً، أي 15 يوماً، يلزم كل المصارف بربط تطبيقاتها بنظام المراقبة اللحظية الذي طورته شركة سايبرتراك بالتعاون مع البنك الأفريقي للتنمية، بحيث يتم التعليق التلقائي لأي حساب يجري أكثر من ستين تحويلة صادرة في الساعة، أي 60 تحويلة، أو تتجاوز تعاملاته اليومية ستمائة مليون جنيه، أي 600,000,000 جنيه، دون مستندات، ويُحال فوراً إلى وحدة التحريات.
كما يُلزم المنشور المصدرين بتوريد مائة في المائة 100% من حصيلة الصادر خلال خمسة وثلاثين يوماً، أي 35 يوماً، من بوليصة الشحن، ويمنع الإفراج الجمركي عن أي واردات إلا بشهادة توريد الحصيلة الصادرة من بنك المصدر، على غرار النموذج الإثيوبي الذي رفع نسبة التحصيل إلى سبعة وتسعين في المائة 97% في عام واحد.
وتشير محاكاة البنك المركزي إلى أن تطبيق هذا المنشور سيخفض سرعة دوران النقود من أحد عشر وسبعة من عشرة مرة 11.7 مرة إلى ستة وثلاثة من عشرة مرة 6.3 مرة خلال تسعة أشهر، أي 9 أشهر، مما يقلص الضغط التضخمي بنسبة ستة وأربعين في المائة 46% دون سحب سيولة أو رفع فائدة. المرتكز الرابع مجتمعي وتقوده (منظمة توافقنا الخيرية للتنمية المستدامة) بالشراكة مع وزارتي الشؤون الدينية والإعلام عبر إطلاق الحملة القومية جنيهك في مصرفك قوتك، بهدف تقليص نسبة الكاش خارج المصارف من أربعة وثمانين وستة من عشرة في المائة 84.6% إلى اثنين وستين في المائة 62% خلال خمسة عشر شهراً، أي 15 شهراً. تعتمد الحملة على تشكيل مرصد أهلي في كل حي يضم إمام المسجد ومدير المدرسة وأربعة من الشباب والشابات، أي 4 شباب، يتولى رصد أربعة مؤشرات إنذار مبكر هي فجوة سعر بنكك والكاش، وحجم تحويلات المغتربين الأسبوعية، والطلب على فئة المائة دولار في الصرافات، وسعر جرام الذهب الكسر عيار واحد وعشرين، ثم نشر هذه المؤشرات يومياً عبر مجموعات الحي لإنهاء احتكار المعلومة. وترافق الحملة خطبة جمعة موحدة في ألف ومائتي مسجد، أي 1,200 مسجد، في الجمعة الأولى من كل شهر، تتناول التأصيل الشرعي لتحريم الإضرار بالعملة الوطنية باعتباره من الفساد في الأرض، وتستشهد بتجربة ماليزيا عام 1997م حين نجح الوعي المجتمعي في كبح المضاربة على الرينغت. المرتكز الخامس هو مرتكز المساءلة ويبدأ بقرار من النائب العام بتشكيل لجنة دائمة للتحقيق في جرائم تخريب الاقتصاد الوطني، تُمنح سلطة استدعاء أي مسؤول ثبت شراؤه من السوق الموازي، وتقديمه لمحاكمة علنية خلال تسعين يوماً، أي 90 يوماً، من تاريخ الإحالة. ويجب أن تستهل اللجنة أعمالها بملف المؤسسات الثلاث التي اشترت مائتين وتسعة وأربعين مليون دولار، أي 249,000,000 دولار، من السوق الموازي، وأن تنشر حيثيات الحكم كاملة، لأن الشفافية في العقاب هي الخطوة الأولى لاستعادة هيبة الدولة وثقة المواطن. ولكي يكتمل البناء يجب أن تترافق هذه المرتكزات الخمسة مع إنشاء غرفة عمليات اقتصادية عليا برئاسة رئيس الوزراء وعضوية محافظ البنك المركزي ووزراء المالية والزراعة والصناعة والنائب العام، تجتمع كل اثنتين وسبعين ساعة، أي 72 ساعة، لمراجعة مؤشرات التنفيذ وتصحيح المسار، لأن الزمن في معارك العملة يُقاس بالساعات لا بالسنوات.إن الله جعل لكل عسر يسرين، ولكل ظلام فجراً، وهذه الأرض المباركة التي وصفها القرآن بأنها بلد طيب، لن تعجز عن النهوض ما دام فيها عقل يفكر ويد تبني وضمير يرفض الفساد. إن الأرقام رغم قسوتها تهمس لنا بالحل، فهو كامن في المعادلة نفسها التي أنتجت الأزمة. إذا استطعنا بالتشريع الصارم أن نعيد للجنيه هيبته، وبالإنتاج التعاوني المنظم أن نسد ثقب الفجوة الدولارية، وبالرقابة المصرفية الذكية أن نقطع شرايين المضاربة، فإن الدولار سيعود إلى حجمه الطبيعي من خمسة آلاف وخمسمائة جنيه، أي من 5,500 جنيه، إلى مستوى التوازن الحقيقي، والجنيه سيسترد عافيته، والمواطن الذي يخرج اليوم من داره مثقلاً بالهم سيخرج غداً حاملاً غلته إلى السوق وهو يردد الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والتغيير يبدأ من هذه اللحظة، من هذا الوعي، من هذا الفعل. والرهان كله على سبعة وستين في المائة 67% من السكان هم دون سن الثلاثين، فإذا تحولت طاقتهم من استهلاك الإشاعة إلى إنتاج القيمة، ومن مطاردة الدولار إلى تصدير السلعة، فإن الميزان سينقلب قبل أن تكمل الأرض دورتين زراعيتين.
الله المستعان وعليه التكلان، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.


إرسال التعليق