منتدى «أدبيات ممارسة العمل الصحفي» يفتح ملف إصلاح الإعلام السوداني

دعوات لميثاق شرف مهني ومؤسسة صحفية موحدة واستعادة ثقة الجمهور

الخرطوم – إسلام أمين

في وقت يواجه فيه السودان تحديات وجودية معقدة فرضتها الحرب والظروف السياسية والاقتصادية، التأمت قيادات الدولة والنخب الإعلامية والصحفية بفندق السلام روتانا بالخرطوم ضمن منتدى «أدبيات ممارسة العمل الصحفي» الذي انعقد تحت شعار «صحافة مهنية بأقلام وطنية»، بتنظيم مشترك بين ملتقى اندياح وصحيفة أول النهار، في محاولة جادة لفتح نقاش واسع حول مستقبل الإعلام السوداني، ومراجعة واقع الممارسة الصحفية في ظل التحولات الراهنة.وشكل المنتدى، الذي قدمته الصحفيتان داليا إلياس ومشاعر عثمان، منصة مفتوحة لمناقشة رهانات الإصلاح الإعلامي، حيث تباينت الرؤى بين مطالبات بضرورة فتح منافذ المعلومات أمام الصحفيين، وتأسيس مؤسسات إعلامية وطنية قوية، وبين دعوات لمراجعة الأداء المهني والابتعاد عن الممارسات التي أضعفت ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.خالد الإعيسر: لن نتأثر بالحملات الممنهجةوخلال مخاطبته المنتدى، أكد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر أن الوزارة لن تتأثر بما وصفه بالحملات الإعلامية الممنهجة والمسعورة، مشدداً على أن خدمة السودان تظل أولوية العمل سواء في الداخل أو الخارج.وأعلن الوزير دعم الوزارة لإعادة تأهيل الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، إلى جانب دراسة مقترح إنشاء مؤسسة صحفية وطنية موحدة على غرار مؤسسة الأهرام المصرية أو هيئة BBC البريطانية، مؤكداً أن سقف الحريات الصحفية ظل مفتوحاً، وأن الوزارة لم تغلق أي صحيفة أو إذاعة منذ نوفمبر 2024 إلا في حالات محدودة لأسباب موضوعية.

انتقاد «صحافة هجم النمر»ووجه الإعيسر انتقادات حادة لما أسماه «صحافة هجم النمر»، معتبراً أنها أسهمت في تشويه المشهد الإعلامي وإضعاف ثقة المواطن حتى في الأخبار الحقيقية المرتبطة بالدولة ومعركة الكرامة.وأشار إلى نماذج لما وصفه بالترويج السلبي الانتقائي، مثل التركيز على تراجع الجنيه السوداني دون الإشارة إلى تحسن قيمته لاحقاً، أو الحديث عن أزمات الوقود دون تناول جوانب الاستقرار الحالية، فضلاً عن تداول شائعات مرتبطة بمسؤولين حكوميين.كما نفى الوزير صحة ما تم تداوله بشأن إحالة 65 ألف موظف للصالح العام، موضحاً أن الأمر يتعلق بمقترح معاش اختياري للراغبين في مغادرة الخدمة المدنية، مؤكداً أن بعض الممارسات الإعلامية باتت تنتقي المعلومات بطريقة تثير القلق وتفقد المسؤولين الثقة في الحديث للإعلام.13 موظفاً يديرون أنشطة الوزارةوفي معرض رده على الانتقادات، كشف الوزير عن أن الوزارة تعمل حالياً عبر 13 موظفاً فقط يديرون أربعة قطاعات مختلفة، موضحاً أن الوزارة نفذت خلال خمسة أيام فقط عدة أنشطة شملت برامج للتعافي الوجداني بأم درمان، وورشاً حول السياحة في الدامر، وتغطيات ميدانية لتلفزيون السودان، إضافة إلى فعاليات مكافحة خطاب الكراهية والمنتدى الصحفي الحالي.

محمد حامد جمعة: الإعلام وقع في فخ صناعة الإحباطمن جانبه دعا الكاتب الصحفي محمد حامد جمعة إلى مراجعة نقدية شاملة لأداء الإعلام السوداني، مؤكداً أن الصحافة وقعت في فخ صناعة حالة من الإحباط العام عبر تكريس صورة ذهنية تروج لفشل الدولة دون تقديم معالجات موضوعية أو معلومات موثقة.وأشار إلى أن الإعلام السوداني أخفق في تصدير السردية الوطنية إلى الخارج، لافتاً إلى غياب التقارير والمقالات السودانية الداعمة للقضية الوطنية في الصحافة الإقليمية والدولية، مقابل حضور واضح لمراسلين أجانب نقلوا القصص الإنسانية المرتبطة بالحرب والنزوح.

وحذر جمعة من التحديات الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية، معتبراً أن ضعف التمويل يجعل المؤسسات الإعلامية أكثر عرضة للاختراق، داعياً إلى دعم المواقع الإلكترونية عبر نظام إعلاني منظم بدلاً من الحوافز الفردية.مطالبات بميثاق شرف وضبط الأداء المهنيوفي ذات السياق، شدد رئيس تحرير صحيفة مصادر عبد الماجد عبد الحميد على ضرورة صياغة ميثاق شرف صحفي يضبط ممارسة المهنة، مؤكداً أن جودة العمل الصحفي لا تعني غياب الخطأ بل القدرة على تصحيحه وفق معايير مهنية واضحة.وأكد أن الصحافة السودانية تواجه تحديات كبيرة في ظل انتشار الأخبار غير الدقيقة، الأمر الذي يتطلب تفعيل الدور الرقابي والتنظيمي للمؤسسات الصحفية، والانتقال من العلاقات الشخصية إلى العمل المؤسسي المنظم.

العبيد مروح: غياب قانون المعلومات أكبر التحدياتبدوره اعتبر السفير العبيد مروح أن غياب التشريعات المنظمة لتدفق المعلومات يمثل أكبر التحديات أمام العمل الصحفي في السودان، موضحاً أن عدم وجود قانون واضح يضمن حق الوصول إلى المعلومات يحرم الصحفيين من أداء دورهم كسلطة رقابية مستقلة.وأشار إلى أن الإعلام السوداني لعب دوراً وطنياً بارزاً منذ اندلاع الأزمة في عام 2023، واصفاً الصحفيين بأنهم شكلوا «درعاً وطنياً» في مواجهة محاولات استهداف المؤسسات الإعلامية وتضليل الرأي العام.

كما حذر من الخلط بين الصحفي المهني والنشاط السياسي أو التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن استقلالية الصحافة تتطلب التزاماً صارماً بالموضوعية والمهنية.معركة الإعلام… معركة ثقةوخلص المنتدى إلى أن معركة الإعلام السوداني اليوم لم تعد مجرد معركة كلمات، بل أصبحت معركة ثقة تتطلب صياغة عقد مهني جديد يعيد للكلمة وزنها الحقيقي.

وأكد المشاركون أن بناء إعلام وطني قوي لن يتحقق إلا عبر التوازن بين حرية الكلمة، المسؤولية المهنية، الأمن القومي، وحق المواطن في الحصول على المعلومات.وشددت التوصيات الختامية على أهمية الفصل الواضح بين العمل الصحفي والنشاط السياسي، ودعم المؤسسات المهنية، وصياغة ميثاق شرف صحفي يعيد للمهنة مكانتها، حتى يتحول الإعلام السوداني من ساحة للصراعات والتجاذبات إلى قوة وطنية فاعلة في معركة بناء سودان جديد.

Previous post

د.محمد عوض محمد متولي المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات**يكتب**السودان: هل يقف عند 5,500 جنيه للدولار أم يستمر في الصعود؟ تشريح انهيار نقدي يهدد دولة بأكملها

Next post

قبل المغيب..عبدالملك النعيم احمد… …………………….. لجنة إخلاء ولاية الخرطوم من القوات المقاتلة…قرارات قابلة للتنفيذ… 30 يونيو 2026م..

إرسال التعليق

You May Have Missed

error: Content is protected !!