قوافل الإغاثة تحت نيران المسيرات!**خبير في مكافحة الإرهاب: الأعتداء على القوافل الٱنسانية يعتبر إنتهاكا صريحا للقانون الدولي**كاتب صحفي: الحدث تكتيك ممنهج لإحكام قبضة الحصار لتجويع الملايين**تقرير : احمد قاسم*
مع التحركات الدولية الداعية إلى فرض هدنة إنسانية في السودان إستهدفت طائرة مسيرة تابعة لمليشيا الدعم السريع قافلة المساعدات الإنسانية بولاية شمال كردفان وطرح الحدث برمته العديد من علامات الاستفهام حول جدوى الحديث عن هدنة إنسانية …!!وكانت مسيرة تابعة لمليشيا الدعم السريع أستهدفت قافلة إغاثية تتبع لبرنامج الغذاء العالمي بمنطقة “الله كريم ” بولاية شمال كردفان كانت في طريقها إلى النازحين بمدينة الأبيض و أسفر الحادث عن مقتل شخص وأصابة ثلاثة آخرين .
وقالت شبكة أطباء السودان في بيان إن هذا الاستهداف يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، وجريمة حرب مكتملة الأركان، ويقوض الجهود الإنسانية الرامية إلى إيصال المساعدات المنقذة للحياة للمدنيين المتأثرين بالحرب، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة التي تشهدها البلاد.وحملت الشبكة الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية باتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة الحماية العاملين في المجال الإنساني وضمان عدم الإفلات من العقاب، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في الحادثة.وشددت شبكة الأطباء على ضرورة احترام وحماية القوافل الإغاثية والعاملين الانسانيين ووقف كافة أشكال الاستهداف المتعمد للمدنيين والبنى الإنسانية.*إدانات دولية:*وأدانت منظمات وهيئات دولية الهجوم على القوافل الإنسانية معتبرة أنه جريمة حرب ضد الإنسانية حيث أدانت كل من جمهورية مصر العربية ودولة قطر والمملكة العربية السعودية الحادثة بضرورة تضافر كافة الجهود الإقليمية والدولية الرامية لإنهاء الحرب عبر الوسائل السلمية، محذرة من أن استمرار عرقلة وصول المساعدات بما يفاقم من الكارثة الإنسانية ويقوض فرص الاستقرار في المنطقة بأسرها.إستهداف القوافل الإنسانية لم يكن الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان حيث تعرضت قافلة إنسانية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي الأربعاء، الموافق 25/2025م لهجوم بالقرب من مدينة مليط التي تعاني المجاعة في شمال إقليم دارفور .
من جانبها أدانت الحكومة السودانية الهجوم الإرهابي الغادر الذي نفذته مليشيا الدعم السريع عبر طائرات مسيرة، مستهدفة والذي أسفر عن سقوط ضحايا وتدمير مساعدات إنسانية كانت في طريقها للمدنيين بمناطق الرهد وأم روابة والسميح. وقالت الحكومة عبر بيان أصدرته وزارة الخارجية يوم أول أمس ان هذا العدوان الممنهج يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني ومبادئ اتفاقيات جنيف، حيث تتعمد المليشيا قصف الأعيان المدنية وتقويض عمليات الإغاثة، في تحد سافر للجهود الدولية الرامية لتخفيف حدة المعاناة الإنسانية التي تسببت فيها ممارساتها الإجرامية بمختلف الولايات.وطالبت الحكومة المجتمع الدولي للإضطلاع أمام مسؤولياته تجاه هذا النهج الإجرامي الذي يتخذ من سياسة التجويع وسيلة للضغط العسكري، مطالبةً بإدانة صريحة وتحرك فاعل لمحاسبة المليشيا وداعميها، والكف عن الصمت تجاه جرائم الحرب التي تستهدف شريان الحياة للمواطنين الأبرياء. وجددت الحكومة في ختام بيانها التزامها الراسخ بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها لتأمين وصول المساعدات، مؤكدة استمرار جهودها لتذليل العقبات وتوفير الحماية اللازمة للقوافل الإنسانية، لضمان تدفق الإمدادات الإغاثية لمستحقيها في كافة أرجاء البلاد دون عوائق أو تهديدات إرهابية.
*الوضع الإنساني:*ويواجه اقليم كردفان وضعاً إنسانيًا كارثياً ومتدهوراً جراء الحرب المستمرة، حيث تعاني أغلب المدن من ،نقص حاد في الغذاء والدواء، وانعدام الخدمات الأساسية، مع تزايد أعداد النازحين والقصف المستمر. ويواجه السكان، وخاصة النساء والأطفال، أزمة سوء تغذية وتفشي للأوبئة، في ظل توقف معظم المنظمات الإنسانية وصعوبة وصول المساعدات. وتشهد ولايات كردفان موجات نزوح متكررة نتيجة للمعارك، حيث تستقبل مناطق مثل أبو كرشولا أعداداً كبيرة من النازحين الفارين، مما يفاقم الضغط على الموارد المحدودة.وبحسب غرفة طوارئ دار حمر بغرب كردفان، تواجه 90 قرية في محيط مدينة الخوي كارثة إنسانية كبرى، بعد خلو المدينة من كامل سكانها، وتحولها إلى ساحة للجريمة والنهب الممنهج الذي طاول المنازل والمساجد.ووفق تقارير أممية محدثة، تسبب اشتداد المواجهات وتصاعد المعارك في ارتفاع عدد النازحين في ولايات الإقليم بنحو (88316) شخصاً، نزحوا من 69 منطقة مختلفة في الإقليم، خلال شهرين فقط، في الفترة من الـ25 من أكتوبر إلى منتصف يناير الماضي.
*تقويض حماية المدنيين:*ويرى الباحث والخبير في مكافحة الأرهاب الدكتور عبدالناصر سلم حامد سلم أن الاعتداء على القوافل الإنسانية في السودان من قبل الدعم السريع يشكل أحد أخطر أنماط الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في سياق النزاع المسلح غير الدولي، لما ينطوي عليه من تقويض مباشر لحماية المدنيين وتحويل الإغاثة الإنسانية من حق محمي إلى أداة ضغط وصراع ، لافتاً في حديثه إلى أن القوافل الإنسانية، بما تحمله من مواد غذائية وطبية وإغاثية، تُعد أعيانًا مدنية محمية، والعاملون فيها يتمتعون بصفة إنسانية محايدة، ويُحظر استهدافهم أو عرقلة عملهم أو الاستيلاء على محتوياتهم تحت أي ذريعة.وحول الإطار القانوني الحاكم يشير دكتور عبدالناصر إلى أن ، القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني تفرض التزامًا واضحًا على الأطراف المسلحة باحترام الإغاثة الإنسانية وعدم تعطيل وصولها إلى السكان المدنيين تعسفًا.
غير أن الوقائع المنسوبة إلى الدعم السريع تُظهر أن الاعتداء على القوافل لم يكن حوادث معزولة أو أخطاء ميدانية، بل اتخذ أنماطًا متكررة تشمل الهجوم المباشر، والنهب، والمصادرة القسرية، وفرض الإتاوات، واحتجاز السائقين والمرافقين، إضافة إلى تعطيل المرور عبر نقاط تفتيش استُخدمت عمليًا كأدوات خنق للإمدادات الإنسانية.
مما يؤدي تكرار هذه الأفعال وتطابق آلياتها ونتائجها إلى نفي أي ادعاء بالطابع العرضي أو الأمني، وإسناد توصيفها كسلوك محظور ذي طابع منهجي.
*القانونية الجنائية:*أما من الناحية القانونية والجنائية، يقول الدكتور عبدالناصر سلم حامد كبير الباحثين في مركز فوكس للدراسات والبحوث الاستراتيجية والخبير في مكافحة الأرهاب : يبرز توصيف النهب بوصفه أحد أوضح مسارات التجريم، إذ إن الاستيلاء بالقوة أو التهديد على مواد مخصصة أصلًا للمدنيين، في سياق نزاع مسلح، يُعد جريمة حرب قائمة بذاتها، لا يتطلب إثباتها سوى قيام فعل الأخذ غير المشروع مقرونًا بالقصد، دون الحاجة لإثبات وجود هدف عسكري أو جدل حول التناسب. كما أن الاعتداء على القوافل أو العاملين الإنسانيين، متى ثبت العلم بطابعهم المدني والإنساني، يرقى إلى هجمات محظورة على أعيان وأشخاص محميين. أما تعطيل الإغاثة على نحو متكرر ومقصود، فيُقرأ قانونيًا كسياسة حرمان تسهم في إحداث آثار إنسانية جسيمة، وتُستخدم لإسناد القصد الجنائي في سياق جرائم أوسع، لكونها تمسّ مقومات البقاء الأساسية للسكان المدنيين.
ويضيف عبدالناصر : ان المسؤولية الجنائية لا تقتصر على المنفذين الميدانيين، بل تمتد إلى البنية القيادية والتنظيمية لقوات الدعم السريع. فاستمرارية هذه الاعتداءات عبر مناطق متعددة وبالأساليب ذاتها تشكّل قرينة قوية على العلم أو افتراض العلم لدى القيادات، وتفتح باب المساءلة على أساس المسؤولية القيادية متى ثبت الإخفاق في منع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها. ويُسهم الطابع المنهجي في تجاوز عبء إثبات “الحادثة المنفردة” إلى إثبات النمط والسياسة، وهو عنصر حاسم في بناء الملفات الجنائية ، وعلى مستوى المساءلة، فإن هذه الأفعال تستوفي عناصر جرائم حرب قابلة للملاحقة عبر مسارات متعددة، تشمل الاختصاص الجنائي الدولي والاختصاص القضائي العالمي الذي يتيح لمحاكم وطنية خارج السودان ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة بصرف النظر عن مكان ارتكابها. كما يمكن الاستناد إلى هذه الوقائع لتفعيل آليات مساءلة قانونية غير قضائية مكمّلة، مثل العقوبات الفردية، وتجميد الأصول، وحظر السفر، والإدراج في قوائم الانتهاكات الجسيمة، وهي تدابير تُبنى على معايير قانونية واضحة وتؤدي دورًا رادعًا في مواجهة الإفلات من العقاب.
لافتاً في حديثه إلى أن عنصر الإثبات يظل محوريًا في هذا الإطار القانوني، إذ تُعد شهادات الضحايا والعاملين الإنسانيين، وسجلات نقاط التفتيش، وتسلسل القيادة، وتطابق أنماط الاعتداء زمانيًا ومكانيًا، قرائن كافية لتدعيم القصد الجنائي وإثبات الطابع المنهجي للسلوك. وبذلك لا تُختزل الاعتداءات على القوافل الإنسانية في كونها مخالفات ميدانية، بل تُبنى قانونيًا كملف متكامل قابل للمساءلة والإحالة.واعتبر عبدالناصر إن الاعتداءات المنسوبة إلى الدعم السريع على القوافل الإنسانية تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وترقى—بحسب الوقائع—إلى جرائم حرب تستهدف شريان حياة المدنيين. وهي أفعال لا يبررها ادعاء أمني أو تنظيمي، وتضع مرتكبيها وقياداتهم أمام مسؤولية جنائية وقانونية واضحة، في سياق دولي يكرّس مبدأ عدم الإفلات من العقاب عن استهداف الإغاثة الإنسانية.
*تكتيك ممنهج:*وأعتبر الكاتب الصحفي رمضان محجوب أن العدوان الغادر لمليشيا الدعم السريع على القوافل الانسانية هو قراءة مغايرة لطبيعة الصراع حيث لم تعد المليشيا تكتفي باستهداف المواقع العسكرية، بل انتقلت بـ “تكنيكها” الإجرامي إلى مرحلة اغتيال شريان الحياة وتدمير الأعيان المدنية المحمية دوليا وذلك لأن قصف قوافل المساعدات الإنسانية المحملة بأسباب البقاء، يُعد جريمة حرب متكاملة الأركان وفق كافة المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف.
مؤكدا أن ما اقدمت عليه المليشا ليس مجرد طيش عسكري عابر ، بل هو “تكتيك” ممنهج يرمي إلى إحكام قبضة الحصار وتجويع الملايين، في محاولة بائسة لتركيع المواطن السوداني عبر سلاح الحرمان.وانتقد في حديثه الصمت الدولى المريب تجاه انتهاكات المليشيا الموثقة، والذي يثير تساؤلات جوهرية حول مصداقية المؤسسات الأممية التي تكتفى ببيانات القلق الخجولة.منبها إلى أن تغاضى العالم عن محاسبة المليشيا وداعميها الإقليميين، هو بمثابة ضوء أخضر للاستمرار في خرق القانون الدولي، وتشجيع لممارسات الإرهاب العابر للحدود الذي يستهدف أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
*خاتمة:*وعلى ضوء تلك المعطيات وفي خضم التحركات الدولية الداعية لفرض هدنة إنسانية في السودان لدواعي إنسانية يبقى السؤال الأبرز والأهم يدور حول الآليات الدولية لإنجاح تلك الهدنة ؟! وكيفية تحقيق كل ذلك في ظل العديد من التحديات المفروضة على أرض الواقع؟!




إرسال التعليق