معارك السودان الدبلوماسية: للحرب وجوه كثيرة…!!**دبلوماسي سوداني: السودان يسعى لبناء شبكة أمان إقليمية في مواجهة التدخلات الدولية**أستاذ علوم سياسية: عودة السودان للإيغاد خطوة تمهيدية لعودته للمنظمة الأم**محلل سياسي: التفاعل الإيجابي للإيغاد يسهم في عودة أكثر رسوخاً داخل الإتحاد الإفريقي*تقرير : أحمدقاسم
مع أقتراب نهايات دحربه ضد التمرد يخوض السودان حرباً أخرى ،لكن هذه المرة في الميدان الدبلوماسي .فبإلحاهه المستمر لإعادة تموضعه الأقليمي في القارة الأفريقية نجح السودان وعبر معاركه الدبلوماسية في إعادة موقعه في منظمة الإيغاد أحدى أفرع وآليات الإتحاد الإفريقي ،وأعتبر مراقبون أن تلك العودة تعتبر بمثابة خطوة تمهيدية لعودته الكلية للمنظمة الأم.
وكانت سكرتارية الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) قد أعلنت في (التاسع ) من فبراير الجاري من هذا العام عن ترحيبها الرسمي بعودة السودان لممارسة أنشطته الكاملة في المنظمة، بعد تجميد استمر لأكثر من عامين. من جانبها رحبت الحكومة السودانية باستئناف السودان لنشاطه الكامل في منظمة “إيغاد”، وذلك انطلاقاً من حرص الحكومة على قضايا الأمن والسلم الإقليمي، وإيماناً بأن التعاون المشترك الذي يمثل الركيزة الأساسية لاستقرار المنطقة وتطوير آفاق التنسيق الدولي.وأوضحت في بيان باسم وزارة خارجيتها أن القرار جاء استناداً إلى البيان الإيجابي لسكرتارية المنظمة الذي أكدت فيه التزامها بالأطر المؤسسية للعمل الإقليمي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مع اعترافها الكامل بسيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية القائمة، مما مهد الطريق لعودة فاعلة. وأضاف البيان أن هذه الخطوة تؤكد حرص السودان على ممارسة دوره الريادي في المحيط الإقليمي، مع التمسك بالثوابت الوطنية وسلامة المؤسسات الشرعية لضمان بيئة سياسية وأمنية تدعم الوحدة الوطنية وتصون المصالح العليا للبلاد في ظل التحديات الراهنة التي تشهدها المنطقةعودة السودان جاءت بعد تلقيه تأكيدات من سكرتارية “إيغاد” بالالتزام بسيادة السودان، ووحدة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والاعتراف بمؤسسات الدولة القائمة. ووصف السكرتارية التنفيذية تلك الخطوة كتعزيز للتضامن الإقليمي وقدرة المنظمة على معالجة الأولويات المشتركة في القرن الأفريقي.*تحول في المسار الأقليمي:*وتعد خطوة عودة عضوية السودان للٱتحاد الأفريقي التي بدأت منذ عامين مؤشراً على تحول في المسار الدبلوماسي للأزمة السودانية، حيث تهدف العودة إلى توحيد المبادرات الدولية الرامية لوقف الحرب وتسهيل التنسيق مع الشركاء الإقليميين.*شبكة أمان إقليمية:*وأجمع مراقبون أن جولات الحكومة السودانية الدبلوماسية نجحت إلى حد كبير في أعادة الإندماج في المنظمات الأقليمية والدولية كمحاولة لمعالجة تداعيات الحرب المستمره بالإضافة ٱلى بناء شراكات تدعم الإستقرار السياسي وإنهاء الحرب دون المساس بسيادة الدولة ومؤسساتها الشرعيةوهذا مذهب إليه السفير د. معاوية التوم في حديثه لبرنامج السودان في الصحافة العالمية ” على قناة اسانبير الذي تعده وتقدمه الصحافية أفراح تاج الختم معتبرا أن جولات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى كل من قطر وتركيا والسعودية، تهدف إلى بناء شبكة أمان” إقليمية تسند السودان في مواجهة التدخلات الدولية التي تسعى للإبقاء على حالة الهشاشة، مشدداً على أن الجيش السوداني منفتح على التعاون مع الدول الشقيقة كجيش نظامي يمتلك الشرعية الدستورية.وأضاف أن التنسيق الإقليمي الحالي يأتي لضبط الإيقاع السياسي قبل انفلات التسليح في المنطقة.*خطوة تمهيدية:*وفي سياق هذه المعطيات الجديدة بعثت عودة السودان إلى الإيغاد الكثير من الآمال في إنهاء تجميد عضويته في المنظمة الأم والتي أمتدت لأكثر من عامين كاملين وأعتبر إستاذ العلوم السياسية والباحث في مركز أبحاث السلام – جامعة نيالا الدكتور محمد ضياء الدين عودة السودان إلى منظمة« الإيغاد» خطوة تمهيدية لعودته الكلية إلى الإتحاد الأفريقي وهي خطوة سياسية بعيدا عن الجوانب القانونية المتعلقة بذلك ،مشيرا إلى أن أي إنخراط للسودان في واحدة من مؤسسات الاتحاد والتي تعتبر الإيغاد جزءا منها يعزز وجود الدولة في المنظومة الأفريقية الأوسع كون أن عضوية السودان داخل الإتحاد لم تلغ وأنما جرى تعليقها.ولفت استاذ العلوم السياسية دكتور محمد ضياء إلى أن رفع ذلك التعليق يتطلب موافقة من مجلس السلم والأمن الأفريقي،موضحا أن عودة السودان إلى المنظمة الأفريقية يعني نهاية عزلته وتخفيف حالة التوتر مع دول الجوار وتعزيز الثقة بينها.مشددا في ذات الوقت أن تعاطي السودان مع الإيغاد كمنصة حوار لا منصة الضغط سيعيد علاقته مع الاتحاد الأفريقي بشروط واضحة لتكون المنظمة منصة لأي تسوية سياسية تحقق قبول أفريقي اكبر.*محطة مفصلية:*الصحفي والمحلل السياسي، خالد الفكي سليمان، يقول لم تكن عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي مجرد خطوة إجرائية في سجل العلاقات الدبلوماسية، ولا حدثاً بروتوكولياً يُضاف إلى أرشيف البيانات الرسمية، بل هي محطة مفصلية في سياق معركة أوسع يخوضها السودان لإعادة تعريف موقعه، وترتيب بيته الداخلي، واستعادة صوته داخل الفضاء الإقليمي والقاري.فالدول لا تُقاس فقط بحدودها الجغرافية، بل بمدى حضورها في دوائر التأثير، وقدرتها على صياغة سرديتها الخاصة في مواجهة روايات مضادة تتكاثر كلما تعثرت الأوطان. ومن هذا المنظور، فإن العودة إلى الاتحاد الأفريقي تمثل عودة إلى ساحة الفعل، لا مجرد مقعد في قاعة اجتماعات.الفكي يعتقد أنه في المعنى السياسي للعودة، تعليق عضوية السودان سابقاً جاء في سياق معقد، ارتبط بتطورات داخلية عاصفة، وتقديرات أفريقية رأت آنذاك أن المشهد السوداني لا يستوفي معايير الانتقال الدستوري المستقر. غير أن ما تغيّر اليوم ليس النصوص فقط، بل موازين الفهم والتقدير.عودة السودان تعني – في أحد أوجهها – اعترافاً ضمنياً بأن الدولة السودانية ما تزال الإطار الشرعي الجامع، وأن مؤسساتها، رغم ما واجهته من تحديات وجودية، لم تسقط في فراغ كامل. وهي أيضاً إشارة إلى أن الرهان على عزل السودان أو إضعافه عبر الإقصاء لم يُنتج استقراراً إقليمياً، بل زاد من تعقيد المشهد.*معادلة الأمنية:*ويقول خالد الفكي : إن الاتحاد الأفريقي، الذي يقوم على مبدأ صون سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها، يدرك أن أي مقاربة تتجاوز الدولة الوطنية أو تُساوي بينها وبين كيانات مسلحة متمردة، إنما تُقوّض أسس النظام الإقليمي نفسه. ومن هنا تكتسب العودة بعداً يتجاوز السودان، ليطال مستقبل المعادلة الأمنية في القارة.كما يري الفكي أن الانعكاسات الاستراتيجية على السودانالانخراط مجدداً في مؤسسات الاتحاد يمنح السودان ثلاث أوراق قوة رئيسية، تتمثل في استعادة المنبر الرسمي، فمن داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي، ولجان الاتحاد المختلفة، يستطيع السودان عرض روايته للأحداث، وتصحيح الصور المشوّهة، والتأثير في القرارات قبل أن تنتقل إلى مستويات دولية أوسع، حيث تصبح المعادلات أكثر تعقيداً.هذا بجانب تعزيز الشرعية في مواجهة الكيانات الموازية، حيث الوجود الفاعل داخل الاتحاد يحدّ من فرص منح أي شرعية سياسية لقوى مسلحة تسعى لفرض أمر واقع عبر القوة. وبحسب الفكي فان االاعتراف القاري بالدولة السودانية هو خط الدفاع الأول ضد أي محاولة لإعادة تعريف الصراع باعتباره نزاعاً بين “طرفين متكافئين”.كما يتعلق الأمر بفتح نوافذ التعافي وإعادة الإعمار، فلا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. فالسودان، الخارج من حرب أرهقت بناه التحتية ومجتمعه، يحتاج إلى شراكات أفريقية في مجالات إعادة الإعمار، والتكامل الاقتصادي، والاستفادة من مشروعات القارة الكبرى، مثل منطقة التجارة الحرة القارية. والعودة تتيح إعادة التموضع ضمن هذه المنظومات.*دلالات العودة:*وحول سؤال الإيغاد… خطوة تمهيدية أم مسار موازٍ؟يرى الفكي أن عودة السودان إلى منظمة الإيغاد تحمل دلالات لا تقل أهمية. فالإيغاد، بحكم تركيبتها الإقليمية الضيقة، تمثل دائرة الجوار المباشر، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية، وتتشابك تأثيرات الصراع السوداني مع استقرار دول القرن الأفريقي.
غير أن العودة وفقاً للصحفي والمحلل السياسي إلى الإيغاد لا تعني تلقائياً عودة كاملة إلى الاتحاد الأفريقي، من الناحية الإجرائية. فلكل منظمة آلياتها واشتراطاتها. لكن سياسياً، يمكن قراءة الخطوة باعتبارها مؤشراً على رغبة السودان في الانخراط الإيجابي، وإرسال رسالة تطمين إلى الإقليم مفادها أن الخرطوم لا تختار العزلة، بل الشراكة.كما أن التفاعل الإيجابي داخل الإيغاد قد يُسهم في تهيئة المناخ السياسي لعودة أكثر رسوخاً داخل الاتحاد الأفريقي، خاصة إذا اقترن ذلك بإصلاحات داخلية واضحة، وخطاب سياسي متماسك يعكس وحدة القرار الوطني.
كما يجب استقراء التوازن بين الداخل والخارج، غير أن الأهم من العودة ذاتها هو كيفية توظيفها. ولفت الفكي ٱلى أن المنابر الإقليمية لا تمنح الدول قوتها تلقائياً، بل تُعزّز ما تملكه بالفعل.
وإذا أراد السودان أن يحوّل هذه العودة إلى مكسب استراتيجي، فعليه أن يربط بين تثبيت مؤسسات الدولة في الداخل،ط، وصياغة خطاب سياسي جامع، وبناء تحالفات أفريقية قائمة على المصالح المشتركة لا ردود الأفعال.
بيد أن الفكي يعتقد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة المقعد، بل في استعادة الدور. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، ليس دولة هامشية في معادلة القارة.
وأي استقرار فيه ينعكس على حزام واسع يمتد من الساحل إلى القرن الأفريقي.
وفي إن عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي ليست نهاية أزمة، ولا إعلاناً لانتصار كامل، لكنها خطوة في اتجاه استعادة التوازن.
هي رسالة بأن الدولة ما تزال قائمة، وأن قرارها السيادي ليس معروضاً للمساومة، وأنها قادرة على خوض معركتها السياسية من داخل المؤسسات لا من هامشها.
وفي زمن تتكاثر فيه الضغوط، وتتعاظم التدخلات، تصبح الدبلوماسية الذكية أحد أهم أسلحة الدولة.
وإذا أحسن السودان إدارة هذه المرحلة، فقد تتحول العودة إلى الاتحاد الأفريقي من مجرد حدث سياسي إلى نقطة انطلاق نحو إعادة صياغة دوره القاري، بما يحفظ سيادته، ويعزز استقراره، ويمهّد لتعافٍ وطني طال انتظاره.




إرسال التعليق