الدلنج.. الوقائع التي كسرت أوهام المليشيا المتمردة
(مسارات): إسماعيل محمود
في حروب اللا أخلاق مثل هذه التي نعايشها بفعل طموح مليشيا الإمارات الإرهابية.. المعارك فيها لا تحسم دائماً بكثافة النيران أو كثافة الحشود، وإنما بقدرة الرجال على الاحتمال والثبات وإدارة الزمن.. هذه الحقيقة بالذات لم تحسن المليشيا المتمردة تقديرها منذ أن أشعلت حربها على السودان في عام 2023.
فقد انطلقت حساباتها من فرضية أن العنف المفرط ونشر الهلع كفيل بكسر المجتمع والدولة معاً.. غير أن (الوقائع) كشفت مساراً معاكساً تماماً، حيث تحوّل الضغط المتواصل إلى عامل إنهاك داخلي أصاب المليشيا المتمردة ومرتزقتها.
فالانتصارات الأخيرة التي تحققت في النيل الأزرق وجنوب كردفان وأفرحت الشعب السوداني تعكس هذا التحول بوضوح.. فهي لم تأتِ نتيجة اندفاع عشوائي، وإنما ثمرة عمل تراكمي لقوات تعرف ماذا تريد وكيف تعيد تنظيم صفوفها، وتستفيد من خبرة ميدانية تشكّلت لسنوات طويلة من الفداء والجسارة علاوة على إدارة معارك حرب الكرامة الوجودية.
القوات المسلحة، ومعها جهاز المخابرات والقوات المشتركة والتشكيلات المساندة، خاضت القتال بوصفه معركة وجود طويلة، لا مواجهة عابرة تُدار بمنطق المغامرة.. لذا
ضمن هذا السياق، يبرز فك الحصار عن (الدلنج) كحدث يتجاوز معناه العسكري المباشر.. فالدلنج ليست مجرد نقطة جغرافية محاصَرة، فقط.. وإنما نموذجاً اعتمدت عليه المليشيا المتمردة لفرض سياسة الخنق البطيء عبر قطع الطرق، واستنزاف المدنيين واستخدام معاناتهم كورقة ضغط.. وانهيار هذا النموذج يعني عملياً سقوط أحد آخر أدوات السيطرة التي كانت تراهن عليها المليشيا المتمردة لإطالة أمد الحرب.
الأثر الأعمق لهذه التطورات يظهر في البنية الداخلية لمليشيا ابو ظبي نفسها. فالهزائم المتكررة، خصوصاً في مناطق ذات تضاريس معقدة، تسرّع من تفككها التنظيمي.. وتزيد من الصراعات بين القيادات الميدانية وتضعف القدرة على الضبط والسيطرة.. وايضا ومع تقلص الغنائم (والشفشفة) وانقطاع الإمدادات، يتآكل العامل الذي قام عليه تماسكها منذ بداية غدرها. أي المنفعة المباشرة. وخصوصا عند هذه النقطة يصبح الانشقاق الذي أشرت إليه (مساراً) طبيعياً.
في المقابل كل تقدم ميداني يربك عشم أعوان المليشيا المتمردة بالضرورة… فالدعوات إلى منح المليشيا المتمردة حياة في مستقبل السودان امر ٌ محال وأوهام مفصولة عن ميزان القوة تفقد معناها كلما اتسعت رقعة سيطرة القوات المسلحة.. كما أن أي حديث عن تمثيل أو شرعية يتآكل كل يوم.
ما جرى في الدلنج الصامدة وما يتواصل في جبهات أخرى يؤكد حقيقة يصعب القفز فوقها وهي أن (السودان) مهما تكالبت عليه مؤامرات الأعداء فإنه لن ينكسر.. وان الشعوب لا تهزم وحين تتلاقى خبرة الجيش مع صبرها وعزيمتها..
فعندها تتساقط أوهام السيطرة وأحلام مليشيا أبو ظبي واشياعها واحداً تلو الآخر ويصبح الزمن نفسه جزءاً من معارك الحسم النهائي.




إرسال التعليق