بعد 52 عامًا… إبراهيم محمدين مصمم صقر الجديان وشعار معركة الكرامة في حوار خاص
حاوره: إسلام أمين.د. ضياء الدين الطيب
بكل فخر واعتزاز نفتح هذا الحوار مع أحد أعمدة الإبداع الوطني،المهندس إبراهيم محمدين أحمد حُوَلي الهواري،مصمم شعار الجمهورية السودانية – صقر الجديان، ذلك الرمز الخالد الذي تجاوز كونه عملاً فنياً ليصبح هوية وطن، وعنوان سيادة، وبصمة راسخة في وجدان السودانيين.نلتقي اليوم بقامةٍ إبداعيةٍ استثنائية، تركت أثرها العميق في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، وجسّدت بروحٍ واعية وموهبةٍ أصيلة معاني القوة والكرامة والأصالة في تصميمٍ واحدٍ أصبح الواجهة الرسمية للسودان، ومصدر فخر لكل من ينتمي لهذا الوطن.
لقد أكد المهندس إبراهيم محمدين من خلال تجربته أن الإبداع الحقيقي لا يشيخ، وأن الفن حين يقترن بالوطنية يتحول إلى إرث خالد للأجيال.ولا يمكن الحديث عن هذا العطاء دون التوقف عند الجذور الراسخة التي أنبتت هذه القامة؛فوالده، المرحوم محمدين أحمد حُوَلي الهواري، كان أحد رموز الوطنية والبسالة، وضابطاً بقوات دفاع السودان إبان الحكم الإنجليزي. شارك بشجاعة نادرة في معركتي كرن ضد الطليان وطبرق غرباً خلال الحرب العالمية الثانية، ونال أوسمة ونياشين من الملك الإنجليزي جورج الخامس تقديراً لإقدامه، وكان الضابط الوحيد الذي تمت ترقيته مرتين خلال هاتين المعركتين. وقد وثّقت بطولاته في مقال مطوّل نُشر عام 1939م بالصحيفة الرسمية الإنجليزية (زافيتا)، ولا تزال محفوظة بالمتحف حتى اليوم.
امتد عطاؤه أيضاً إلى ميادين التنمية الوطنية، حيث أشرف على مشروع القدنبلية وصولاً إلى القضارف الحالية، وتولى مسؤولية وزارة النيل الممتدة من جبل أولياء حتى خط الجنوب النيلي.
كما خُلّدت سيرته في متحف اللوفر بلندن – ركن السودان الحربي، ضمن رموز السودان الأوائل الذين جمعوا بين الشجاعة والبذل والإنجاز.رحم الله الوالد، الذي غرس في ابنه حب الوطن والإخلاص له، فجاء المهندس إبراهيم محمدين امتداداً طبيعياً لذلك المجد، ومكملاً لمسيرة العطاء، ولكن هذه المرة بلغة الفن والهوية والرمز.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من تجربة إنسانٍ صنع للتاريخ علامة، وترك للوطن شعاراً لا يُنسى، لنستمع منه إلى حكاية الإبداع، وذاكرة الوطن، ورسالة الفن حين يكون في خدمة السودان.الحوارس: متى وأين وُلدت يا عم إبراهيم؟ج: وُلدت في الأبيض عام 1952م.
س: ما هي المراحل الدراسية التي مررت بها؟ج: بدأت في أم عشر مدرسة أولية، ثم التحقت بالمدرسة الصناعية بالأبيض، وأكملت دراستي في الثانوية بمدينة مدني.س: بعد التخرج من المعسكر وانضمامك إلى العسكرية، في أي قسم التحقت؟ج: التحقت بالتصنيع الحربي – الذخيرة، في قسم الرسم الفني، ثم عملت في أقسام الإسبيرات، والماكينات، والخراطة، وهي أقسام كانت ممولة من ألمانيا. كما عملت في قسم الرسومات وقسم قطع الغيار، وامتدت مسيرتي حتى رئاسة القسم.س: هل تتذكر بعض المدراء الذين عملت معهم؟ج: نعم، أذكر الأستاذ محمدين شريف مزمل، وكذلك المدير أورتشي، الذين قُتلوا في مجزرة بيت الضيافة عام 1971م خلال انقلاب هاشم العطا. وقد قُتل حينها عدد من الضباط الذين عيّنهم الرئيس نميري
.س: هل تلقيت تدريبًا خاصًا أثناء مسيرتك؟ج: نعم، تدربت على يد الرئيس سوار الذهب ضمن دفعة شندي للفنيين، وهذا التدريب ساعدني كثيرًا في صقل مهاراتي العملية والتقدم في العمل.س: إلى أي دفعة تنتمي؟ج: أنتمي إلى دفعة شندي.
س: ما هي أول محطة عمل عسكرية لك؟ج: أول محطة عملت فيها كانت في قسم الذخيرة بالشجرة كفني عسكري، حيث تخصصت في الرسم والخراطة. بعد ذلك انتقلت إلى أقسام التصنيع والتعبئة، بما في ذلك خراطيش وعبوات للمصنع، وكل الأدوات كانت ألمانية.القسم كان يتكون من مستشارين ومدربين ألمان، وتم تنظيم كورسات تدريبية شاملة لكل القيم، وقد تدربنا على يد الألمان أنفسهم.
س: هل تتذكر رقمك العسكري؟ج: نعم، رقمي العسكري هو 250588.
س: عمو إبراهيم، لماذا قررت تقديم الاستقالة من الجيش؟ج: قدمنا استقالة جماعية، وكنا أكثر من 270 شخصًا، معظمنا من دفعة شندي. السبب كان أننا لم نُبتعث إلى ألمانيا رغم استحقاقنا لذلك.
س: هل قُبلت الاستقالة مباشرة؟ج: لا، لم تُقبل مباشرة.
ذهبنا إلى القيادة العامة عبر الباصات وسلمنا الأمر إلى القاعدة العامة برئاسة خالد حسن عباس وزير الدفاع، وبالصدفة كان نميري موجودًا. أخبرنا بأن عقودنا انتهت ولم يتم تجديدها، وأننا نستحق الابتعاث إلى ألمانيا. فقال نميري: «الناس ديل على حق وما عندهم غلطة»، فوافق على قبول الاستقالة، لكن بعد أربعة أشهر لإكمال تدريب بقية الدفعات الموجودة في الذخيرة.
س: كم سنة خدمت في الجيش؟ج: خدمت من عام 1967م إلى عام 1977م، أي حوالي 10 سنوات.
س: احكي لنا رسمك أو نحتك أو خرطك لصقر الجديان رمز معركة الكرامة؟ج: سجل لنا نميري زيارة لمصنع الذخيرة في الشجرة، وزارة قسمنا، وسألني: هل تستطيع رسم أي شيء أقوله لك؟ قلت نعم. قال: أريد منك أن ترسم صقر الجديان، هل تعرفه؟ قلت نعم. قال: إذا نشوف.
أخذ نميري ورقة وكتب عليها المواصفات، وقال إن السودان بلد عظيم وأرض شجاعة وكرامة، فكيف يكون رمز السودان الخَرْتِيت، وأضاف لأن الخَرْتِيت غبي، بينما صقر الجديان يمتاز بالشجاعة والبسالة.
وقال نميري: أريد أن يكون شعارنا صقر الجديان بدلًا من الخَرْتِيت. وأضاف: بعد أن تخرط صقر الجديان اكتب النصر لنا وتحتها جمهورية السودان الديمقراطية.
س: هل تذكر متى كان ذلك؟ج: نعم، في أواخر عام 1971م وبداية عام 1972م.وبعدها فضلت التأمل، حيث كنت صقيرًا أذهب مع والدي للقنص أو الصيد، وكنت أشاهد صقر الجديان يمشي بين الطيور بكل عزة وشجاعة دون خوف من البندقية، وهو يفرد جناحيه للحرية.كيف كنت ترسم؟توفيق من ربنا، وكنت أتخيل الصقر وشكله.
رسمته في كم يوم، وسلمته بعد شهر من الرسم، ثم انتقل إلى ورشة قطع الغيار، ومن ثم أُرسل إلى سك العملة بعد تصويره بماكينة ألمانية، وبعدها أصبح شعار السودان.
ما شعورك وأنت ترى كل عسكري يرتديه وكل أوراق الدولة تحمله؟غاية السعادة.
هل تم تسجيله في المتحف الحربي باسمك أنك المصمم؟لا، لم يتم، ولكن قبل الحرب كنت في الأبيض، فهاتف بعض الزملاء المتحف الحربي وكنت ذاهبًا، لكن الحرب نشبت.
أنا متزوج منذ 31/10/1971م، ولي ولدان وبنت.بعد نزولي من الجيش عملت في ليبيا وسوريا والسعودية ولبنان والأردن مديرًا لمصانع ألمانية، ولنا في القصة بقية.




إرسال التعليق