في قلب الحصار…والي شمال دارفور نموذجًا للقيادة الوطنية في زمن الانكسار….!!

تقرير – آمال حسن

في الأزمات الكبرى، لا تُقاس القيادة بسطوة المنصب، بل بقدرتها على الصمود واتخاذ الموقف الصحيح حين تتراجع الخيارات وتتعاظم المخاطر. فالحصار ليس مجرد حدث عسكري، بل امتحان أخلاقي يكشف جوهر المسؤولية، ويفصل بين من يغادرون المشهد عند اشتداد الخطر، ومن يختارون البقاء جزءًا من مصير شعبهم. وفي هذا السياق، برز والي ولاية شمال دارفور، السيد الحافظ محمد بخيت، بوصفه نموذجًا لقيادة اختارت الثبات في قلب مدينة الفاشر خلال واحدة من أعقد مراحلها وأكثرها قسوة.لم يكن الحصار الذي عاشته الفاشر حصارًا تقليديًا، بل عملية استنزاف شاملة استهدفت المدنيين، وسبل العيش، والخدمات الأساسية، والأمن النفسي والاجتماعي للسكان. وفي مواجهة هذا الواقع، اتخذ الوالي قرار البقاء داخل المدينة ومواصلة أداء مهامه، في موقف تجاوز الإطار الإداري ليحمل دلالات وطنية وأخلاقية عميقة، تؤكد أن القيادة الحقيقية تُمارَس في الميدان، لا من مواقع آمنة.إدارة الأزمة من الداخل: قيادة تحت التهديدرغم الاستهداف اليومي والظروف الأمنية شديدة التعقيد، واصل والي شمال دارفور أداء مهامه الإدارية من داخل الفاشر، متابعًا الأوضاع الميدانية، ومنسقًا الجهود المدنية، ومشرفًا على المبادرات المجتمعية التي نشأت لتخفيف معاناة المواطنين. وقد شكّل هذا الحضور الإداري عامل تماسك في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة مهددة بالغياب الكامل.ومن أبرز أدواره، متابعته المستمرة لعمل التكايا والمبادرات الشعبية التي وفّرت الغذاء والدعم للفئات المتضررة قبل سقوط المدينة بيد المليشيا، إلى جانب تنسيقه مع اللجان الأهلية والفاعلين في المجتمع المدني للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي ومنع الانهيار الشامل. هذا النهج جسّد مفهوم إدارة الأزمات الواقعية، حيث تُدار المسؤولية من قلب الخطر، لا من خارجه.رمزية البقاء: حضور الدولة وسط الدمارفي ظل الدمار المتسارع وحالة الخوف التي خيّمت على المدينة، مثّل وجود والي شمال دارفور بين المواطنين رمزًا لاستمرار الدولة، حتى في أضعف تجلياتها. وقد انعكس هذا الوجود بشكل مباشر على معنويات السكان، إذ منحهم شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المصير المجهول، حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت دخول الجنجويد وارتكابهم انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.وحرص الوالي على التواصل المباشر مع اللجان الأهلية، وعقد اللقاءات مع ممثلي المجتمع المحلي، والتنسيق مع منظمات الإغاثة العاملة في ظروف شديدة الصعوبة. وأسهم هذا التواصل في تعزيز الثقة المجتمعية والحد من حالة الانهيار النفسي، في وقت كانت تسعى فيه المليشيا إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر الترويع والاستهداف المباشر، بما في ذلك استهداف الوالي نفسه.المسؤولية بوصفها موقفًا أخلاقيًاتجربة والي شمال دارفور خلال الحصار تعيد طرح السؤال الجوهري حول معنى القيادة في أوقات الخطر، والفارق بين المنصب كوظيفة، والمسؤولية كالتزام أخلاقي. فاختياره البقاء داخل الفاشر لم يكن مجرد أداء لواجب رسمي، بل تعبيرًا صريحًا عن الانتماء للمدينة وأهلها، وموقفًا أخلاقيًا يرفض التخلي عن المواطنين في أحلك الظروف.وقد تحوّل هذا الثبات إلى رسالة وطنية تتجاوز حدود الجغرافيا، تؤكد أن القيادة تُختبر عند الشدائد، وأن التاريخ لا يحفظ أسماء من انسحبوا عند الخطر، بل يخلّد مواقف من ثبتوا حين كان الثبات مكلفًا.في زمن الحصار والانهيار، قدّم والي ولاية شمال دارفور نموذجًا لقيادة اختارت الوقوف مع مواطنيها حتى اللحظة الأخيرة. ومهما اختلفت التقييمات السياسية أو تبدلت مآلات الأحداث، فإن هذا الموقف سيظل شاهدًا على أن القيادة ليست امتيازًا، بل أمانة تُقاس بمدى القرب من الناس في أصعب لحظاتهم، وأن الثبات في زمن الخوف هو أصدق أشكال الوفاء للوطن.

إرسال التعليق

You May Have Missed

error: Content is protected !!