مطار أم جرس ومسارات الدعم اللوجستي في إقليم تشاد-السودان

تقرير-آمال حسن

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والقرن الإفريقي، تتزايد أهمية الأدوار الإقليمية والدولية في التأثير على مسارات الصراعات المسلحة، ولا سيما النزاع الدائر في السودان منذ أبريل 2023. وفي هذا السياق، برزت تقارير ووثائق أممية تتناول أنشطة لوجستية وعسكرية عابرة للحدود، تشير إلى استخدام مناطق حدودية في تشاد كنقاط ارتكاز لعمليات إمداد مرتبطة بأطراف النزاع السوداني. ويُعد مطار أم جرس، الواقع شرقي تشاد قرب الحدود السودانية، أحد أبرز المواقع التي حظيت باهتمام خاص في هذا الإطار.ووفقاً لوثائق وتقارير صادرة عن فرق تحقيق تابعة للأمم المتحدة، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة عززت حضورها اللوجستي في منطقة تشاد–السودان خلال السنوات الأخيرة، عبر إنشاء مسارات دعم وإمداد يُعتقد أنها ارتبطت بقوات الدعم السريع. وتشير هذه التقارير إلى أن مطار أم جرس، الذي يبعد نحو خمسين كيلومتراً عن الحدود السودانية، تحوّل إلى نقطة محورية لعبور شحنات وإمدادات، في ظل ظروف إقليمية اتسمت بتراجع الرقابة وتداخل المصالح السياسية والأمنية.وتفيد المعطيات بأن السيطرة على المطار تمت بشكل تدريجي منذ منتصف عام 2023، حيث شهد الموقع نشاطاً متزايداً لحركة طيران غير اعتيادية، شملت طائرات شحن يُشتبه في نقلها معدات ومواد ذات طابع عسكري. وبحسب ما وثقته فرق التحقيق، فإن طبيعة هذه الشحنات، إلى جانب مساراتها وتوقيتها، أثارت تساؤلات حول الغرض الفعلي منها، لا سيما في ظل تزامنها مع تصاعد العمليات العسكرية في السودان وتنامي قدرات قوات الدعم السريع على مستوى الإمداد والتحرك الميداني.كما رصدت التقارير الأممية نشاط عدد من الشركات الخاصة، التي يُعتقد أن بعضها لعب أدواراً في نقل مواد حساسة إلى مناطق نزاع أخرى في الإقليم. وتشير الوثائق إلى أن هذه الشركات عملت ضمن شبكات لوجستية معقدة، مستفيدة من الثغرات القانونية وضعف آليات الرقابة في بعض الدول، ما أتاح لها التحرك عبر الحدود دون خضوع فعّال للتدقيق الدولي.وتكشف الوثائق كذلك عن أسماء قيادات عسكرية وأمنية تشادية، من بينهم مسؤولون في أجهزة الأمن وقوات التدخل السريع ووحدات العمليات الخاصة، قالت التقارير إن لهم دوراً في تسهيل عمليات العبور والتنسيق اللوجستي. ووفقاً لهذه المعطيات، فإن هذا الدور استند إلى علاقات سياسية وتجارية مع أطراف إقليمية نافذة، ما أسهم في توفير غطاء رسمي وغير رسمي لأنشطة المطار خلال فترات معينة.وتشير المصادر إلى أن وتيرة هذا النشاط ازدادت بشكل ملحوظ عقب توقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية بين تشاد والإمارات، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على توسّع النفوذ الإماراتي في الإقليم. ويأتي ذلك في سياق سعي عدد من القوى الإقليمية إلى تعزيز حضورها في مناطق استراتيجية تشهد هشاشة أمنية، مستفيدة من تداخل الأبعاد الاقتصادية والعسكرية والإنسانية في الخطاب السياسي.وفي المقابل، تواصل السلطات الإماراتية نفي تقديم أي دعم عسكري مباشر لأي طرف في النزاع السوداني، مؤكدة أن أنشطتها في تشاد ومحيطها تندرج ضمن جهود إنسانية وشراكات تنموية تهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتقديم المساعدات للمتضررين من النزاعات. وتشدد أبوظبي على التزامها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحظر نقل الأسلحة إلى مناطق النزاع.ورغم هذا النفي، ترى جهات حقوقية ومنظمات دولية أن حجم المعطيات المتوفرة يستدعي فتح تحقيق دولي أوسع وأكثر استقلالية، يهدف إلى تحديد طبيعة الأنشطة الجارية في مطار أم جرس، ومسارات المسؤولية القانونية والسياسية المرتبطة بها، إضافة إلى تقييم أثرها المحتمل على مسار الصراع في السودان وعلى استقرار المنطقة ككل. ويؤكد خبراء أن غياب الشفافية والمساءلة في مثل هذه القضايا من شأنه أن يفاقم النزاعات ويطيل أمدها، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مقاربات شاملة تعالج جذور الأزمات بدلاً من تعميقها.

إرسال التعليق

You May Have Missed

error: Content is protected !!