د. أحمد علي قلم – يكتب. الإتيكيت والبروتوكول حين يصبح المظهر لغةً تمثل الدولة والمؤسسة

في كثير من المجتمعات، لا يُنظر إلى المظهر العام باعتباره شأنًا شخصيًا خالصًا، بل بوصفه لغة صامتة تعبّر عن الوعي والثقافة والانضباط المؤسسي. وقد ترسّخت قواعد الإتيكيت والبروتوكول عبر مئات السنين، لتشمل تفاصيل دقيقة في اللبس، وطريقة الجلوس، والمخاطبة، وفن الاستماع، وحتى أسلوب المشي.ورغم أن المجتمعات لا تحاسب الأفراد العاديين على مظهرهم العام، ولا تبني عليهم أحكامًا حاسمة، إلا أن الأمر يختلف جذريًا عندما يكون الشخص ممثلًا لجهة اعتبارية، كأن يكون مسؤولًا حكوميًا، أو دبلوماسيًا، أو مديرًا في مؤسسة كبرى، ويشارك في مناسبات ذات طابع رسمي أو بروتوكولي.المظهر كرسالة دبلوماسية :في العمل الدبلوماسي، يُعد المظهر جزءًا لا يتجزأ من الرسالة السياسية. فعلى سبيل المثال، تفرض وزارات الخارجية في معظم دول العالم أدلة إرشادية دقيقة لموظفيها حول نوع اللباس في المؤتمرات الدولية، والزيارات الرسمية، وحتى حفلات الاستقبال. وقد شهدت بعض المحافل الدولية مواقف لافتة، حيث تعرّض ممثلون لدول معينة لانتقادات إعلامية بسبب اختيار غير موفق للباس، أو تجاهل قواعد بروتوكولية بسيطة، مما حوّل التركيز من مضمون اللقاء إلى شكل الحضور.وفي المقابل، تُضرب الأمثال عادةً بالوفود التي تلتزم بدقة بالبروتوكول، حيث يُنظر إلى هذا الالتزام بوصفه انعكاسًا لانضباط الدولة واحترامها للأعراف الدولية، حتى قبل أن تنطق بأي كلمة.في عالم الشركات والمؤسسات الدولية، لا يقل الأمر أهمية. فكثير من الشركات متعددة الجنسيات تُخضع موظفيها، خاصة من يشغلون مواقع تمثيلية، لدورات تدريبية في الإتيكيت المهني. والسبب بسيط: لأن الانطباع الأول غالبًا ما يتشكل خلال الثواني الأولى من اللقاء، ويكون المظهر أحد عناصره الأساسية.وقد سُجلت حالات في اجتماعات شراكة أو توقيع اتفاقيات، حيث أثار مظهر أحد ممثلي جهة ما تساؤلات غير مباشرة حول جاهزية المؤسسة أو مدى احترافيتها، رغم كفاءة محتوى العرض أو قوة الموقف التفاوضي.و من أكثر التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي بالإتيكيت، طريقة ارتداء البدلة الرسمية، لا سيما كيفية إغلاق أزرار السترة. ففي العديد من اللقاءات الرسمية، يمكن ملاحظة أخطاء متكررة، مثل إغلاق جميع الأزرار، وهو أمر يُعد خطأً واضحًا في عالم الأناقة الكلاسيكية.فالقواعد المعروفة تنص على أن :السترة أحادية الصدر ذات الزرين يُغلق فيها الزر العلوي فقط.ذات الثلاثة أزرار يُغلق الأوسط، ويمكن إغلاق العلوي، بينما لا يُغلق السفلي أبدًا.أما السترة ذات الزر الواحد فيُغلق زرها الوحيد.هذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، تُعد في الأوساط المهنية مؤشرات على المعرفة بالبروتوكول، أو غيابها.مثال لبعض المواقف الواقعية. في أكثر من مناسبة رسمية، حوّلت وسائل الإعلام تركيزها من مضمون الخطاب أو نتائج اللقاء إلى مظهر أحد الحضور، سواء بسبب لباس غير ملائم للمناسبة، أو تجاهل لقواعد بسيطة في الإتيكيت. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الضرر شخصيًا فقط، بل يمتد ليطال صورة المؤسسة أو الدولة التي يمثلها الشخص.وعلى الجانب الآخر، هناك نماذج لمسؤولين نجحوا في ترسيخ صورة إيجابية لمؤسساتهم عبر التزام صارم بالبروتوكول، مما عزز من حضورهم واحترامهم في المحافل الدولية، حتى قبل الخوض في الملفات الجوهرية. في النهاية، الإتيكيت والبروتوكول ليسا ترفًا شكليًا، ولا مظاهر استعلاء اجتماعي، بل أدوات تنظيم واحترام متبادل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتمثيل الرسمي. فالمظهر العام، في هذه السياقات، يصبح رسالة صامتة تعبّر عن المؤسسة والدولة، بقدر ما تعبّر عن الشخص نفسه.والوعي بهذه القواعد، والالتزام بها، هو أحد مؤشرات النضج المؤسسي، والاحترام المتبادل بين الشعوب والمؤسسات في عالم لا يترك التفاصيل الصغيرة دون حساب.

إرسال التعليق

You May Have Missed

error: Content is protected !!